مقالات

محمد ديبو : الكتابة بين الإبداع والنصوص الأصل/ المخفيّة

المدرسة العليا للصحافة والتواصل (ESJ)

المادة: سرقة المعلومة الأدبية (بلاجيا)

الموضوع

 الكتابة بين الإبداع والنصوص الأصل/ المخفيّة

إعداد الطالب: محمد ديبو

المشرف: د. رجائي موسى

المحتويات

  • مقدمة: بين فوكو ودريدا
  • أصل المعرفة بين المذهبين التجريبي والعقلي
  • علاقة معقدة: في تأمل معنى الإبداع
  • بين أمل دنقل ومحمود درويش
  • خاتمة
  • المراجع


الكتابة بين الإبداع والنصوص الأصل/ المخفيّة

مقدمة: بين فوكو ودريدا

خلال حوار جمع كلاً من المفكر الأميركي، نعوم تشومسكي والفيلسوف الفرنسي، ميشيل فوكو، يقول فوكو “فقد حاول تاريخ المعرفة لفترة طويلة أن يتبع زعمين، الأول هو الزعم بالنّسب، أي أنّ كل اكتشاف لا يجب فقط أن يُوضع في مكانه ويؤرّخ له، ولكن يجب أن ينسب إلى شخص ما، يجب أن يكون له مخترع وشخص مسؤول عنه. أما الظواهر العامة أو الجمعية في المقابل، أي تلك التي لا يمكن أن تنسب إلى أحد بالتعريف، فعادة ما يتم التقليل من قيمتها وما زالت توصف عامة بكلمات مثل: التقليد أو العقلية أو الظروف، ويضفي عليها الناس دوراً سلبياً باعتبارها عائقاً في العلاقة مع “أصالة” المبتكر. وهذا باختصار، له علاقة بمبدأ سيادة الذات المطبّق على تاريخ المعرفة”[1].

من جهة ثانية، يقول الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا، في بداية كتابه “صيدلية أفلاطون”: “لا يكون النص نصاً إن لم يخف على النظرة الأولى، وعلى القادم الأوّل، قانون تأليفه وقانون لعبه. ثم إنّ نصّاً ليظلّ يُمعن في الخفاء أبداً. وليس يعني هذا أنّ قاعدته وقانونه يحتميان في امتناع السرّ المطويّ، بل أنهما وببساطة، لا يسلمان أبداً نفسيهما في الحاضر لأي شيء مما تمكن دعوته بكامل الدقة إدراكاً. وذلك، بالمجازفة دائماً (أي من لدن النص)، وبفعل جوهره نفسه، بالضياع على هذه الشاكلة نهائياً. من سيفطن لمثل هذا الاختفاء أبداً”[2].


[1] نعوم تشومسكي، ميشيل فوكو، عن الطبيعة الإنسانية، ترجمة: أمير زكي. دار التنوير، الطبعة الثانية 2019. ص: 34- 35/ تشديد الكلمات ضمن الاقتباس من الباحث.

[2] جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998، ص: 13.

يبدو لنا للوهلة الأولى عند قراءة النصين السابقين، أن ما يقوله فوكو يعارض ما يقوله دريدا، حيث يمكن أن يُفهم من نص فوكو، وعلى مستوى القراءة الأولى، أنّ أي نصّ له نسب ما/ أصلٌ ما يجب أن يعود إليه، وأنّ ما لا أصل له أو نسب لا يعوّل عليه، إذ يُنظر له باعتباره “تقليداً” ويضفي عليه “الناس دوراً سلبياً”، فيما يقول لنا دريدا بوضوح إنّ كلّ نص يمنح “القادم الأول” “قانون تأليفه وقانون لعبه” لا يكون نصّاً. ورغم أنّ دريدا لم يتحدث عن أصل النص أو جذوره بل تحدث فقط عن “قانون تأليفه ولعبه”، لنا أن نجازف هنا ونقول إنه يعني بذلك مصادره المضمرة و”سرّه المطوي”، أي تلك النصوص المعتمدة بإضمار داخل النص، تلك النصوص التي أخذها الكاتب من الآخرين (بإدراك أو بغيره) ولم يفصح عنها أو ينسبها إلى أحد وفق لغة فوكو أعلاه.

أصل المعرفة بين المذهبين التجريبي والعقلي

وإذا كانت الإمبريقية/ التجريبية[1]، تقول إنّ لا معرفة دون تجربة، فهذا يعني أنّ كل ما يكوّنه المرء من معارف عائد إلى تجربة ما/ قراءة ما/ نص ما، وبحيث إنّ التجربة تراكم المعارف التي يُعاد إنتاجها في نص جديد، قد يكون مبدعاً وقد لا يكون. وشرط الإبداع هنا، وفق دريدا ألا يعطي النص أسراره لـ “القادم الأول” وفي “الحاضر”.

ولكن في حال اعتماد المذهب العقلي[2] المضاد للمذهب التجريبي والقائل بأنّ العقل قادر وحده على إنجاب وإبداع المعارف المتعلّقة بالعالم الخارجي، فإنّ أيّ إبداع/ نص يعود إلى العقل الذي يجب أن ننسب له ما أبدعه وفقاً لفوكو، وعليه فإنّ عدم نسب هذه المعرفة إلى أصلها يعتبر خيانة ما.

وفقاً لاعتقادنا، فإن كلتا المدرستين (العقلية والإمبريقية/ التجريبية) قاصرة في مكان ما عن تفسير مسألة أصل المعرفة أو النص، لأن كلتيهما صالحة للعمل، فمثلاً بالنسبة إلى الجنين/ الطفل الذي لم تتشكل معارفه ويسعى لتشكيلها، تلعب التجربة دوراً كبيراً في تكوين هذه المعارف (هنا أيضاً يفترض نعوم تشومسكي أن ثمّة بنية أولى/ “معرفة غريزية” تشكّل أحد مكوّنات “الطبيعة الإنسانية” تسمح للطفل بتكوين معارفه المعقدة لاحقاً من معطيات بسيطة ومحدّدة[3])، في حين أنه بعد مرحلة النضج وما يتلوها، يقوم العقل بدوره الفاعل في مسألتي الإبداع والابتكار. ولكن حتى هنا يرى البعض أنّ العقل يُبدع ويُنتج مما هو كائن، أيّ من جملة المعارف المكوّنة والمكتوبة والمدوّنة لينتج نصّه الجديد القائم على تجربته، والتي تدمج هنا بين تجربته العقلية وتجربته الحياتية، لأنه حتى على المستوى العقلي، فإنّ تجربة كل امرئ مختلفة عن الآخر ومتفرّدة بذاتها، ومن هنا فإنّ هذه التجربة المتفرّدة هي التي تخلق الإبداع/ النص الجديد المبتكر، والتي نحتاج، وفق رأيي، إلى دمج المذهب العقلي والتجريبي معاً حتى نتمكن من تفسير ذلك وفهمه، إذ لا يمكن تفسير عملية الإبداع وفقاً لأحد المذهبين فقط.

ولكن رغم أنّ هذا الإبداع ينتج نصّاً جديداً، فإنّ هذا النص يبقى يحمل في طياته نصوص الآخرين، والمبدع هو ذلك الذي يصل إبداعه درجة أن يخفي “قانون تأليفه وقانون لعبه” بلغة دريدا، وذلك كي يبقى نصه نصاً “ليظل يمعن في الخفاء أبداً”، وبحيث يبقى نسب النص له وحده، بما يرضي مسألة النسب عند فوكو من جهة ويخالفها من جهة أخرى، وذلك لأنّ النص يبقى يُضمر مصادره الأولية، بحيث لا يبقى نصّ نصّاً بمفرده ولذاته، فكل نص هو نص الآخرين بذات الوقت، والإبداع هنا يكمن في الإخفاء، بما يعني أن “لا جديد تحت الشمس” وأنّ كل شيء موجود سبق أن وُجد سابقاً في أشكال مختلفة، والإبداع هو في شكل جديد لا جوهر جديد. ولكن حتى هنا، ثمّة سؤال يطرح نفسه: من هو هذا المبدع القادر على إدراك المضمر في كل نص؟ هل هذا يتأتى من القراءة الأولى ولكل قارئ؟ وهذا يعني أنّ الأمر يختلف من قارئ إلى آخر، فما يراه قارئ مبدعاً قد لا يراه آخر كذلك؟ وما يكتشفه قارئ من نصوص الآخرين في نص ما، قد لا يدركه آخر بتاتاً.

علاقة معقدة: في تأمّل معنى الإبداع

إنّ تأمل العلاقة المعقّدة بين النص/ النصوص الأصل والإبداع يبقى علاقة معقدة وغير قابل للحسم، إذ من حيث المبدأ يصعب نفي نصوص الآخرين أكثر من أي نص جديد، لأنّ لا شيء يولد من الفراغ، وأنّ كل ما نكوّنه من معارف مستند إلى معارف الآخرين من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ الإبداع قائم، لا على المعرفة التي ينتجها النص الجديد فحسب، بل على المتعة التي يولدها واللعب والابتكار والخروج عن المألوف. ولكن حتى هذا الإبداع، إذا أردنا أن نذهب في الفلسفة إلى مداها، وإذا قرأناه على ضوء المدة الطويلة للتاريخ وفق تعبير المفكر الراحل محمد أركون، فإنّ ما قد يكون مبدعاً في لحظة ما يكفّ عن أن يكون كذلك في زمن آخر، وعليه فإنّ الإبداع محدود بحدود الزمن، ولا ينجو منه سوى ذاك الذي يبقى “مبدعاً” على امتداد الزمن (وهل ينجو نص ما من مطرقة الزمن؟).

من وجهة نظرنا، لا يولد أي نص من الفراغ، وحين نقول النص، لا نعني بذلك جدّة الأفكار والفائدة التي يقدّمها والمتعة فحسب، بل أيضاً النحو والأسلوب والقواعد والعلامات والدلالات التي يحفل بها أي نص، وبهذا المعنى لا يكون هناك أي نص إلا استناداً إلى معرفة مسبقة، فالطفل يتعلم أصول النحو في المدرسة، وهذا النحو الذي يعيد استخدامه في نصه ولغته اليومية يعود أصله إلى ما تعلّمه، وبالتالي فإنّ أي نص، له جذور ما يعود إليها ويُنسب إليها، على الأقل تقنياً. وأما الجانب الإبداعي المبتكر في النص فهو يعود إلى قدرة الكاتب على نحت وابتكار مفردات جديدة، ليست هي جديدة بالمطلق، بل هي لطالما كانت مبطنة في المعجم اللغوي لكنه أعاد إحياءها أو نحتها وفق معنى جديد في عصر جديد، وبالتالي فبهذا المعنى يتشكل الإبداع، لكنه يبقى إبداعاً مستنداً إلى المعجم الذي سبق أن كتبه سابقون له، ومحدّداً بزمن الكتابة، لأنه بعد مدّة قد يصبح هذا المعنى شائعاً، وهذا يوصلنا إلى فكرة أن الإبداع ضد الشائع والمكرّر والمعاد. لكن من يحدّد ما هو شائع عمّا هو مبدع؟

بين أمل دنقل ومحمود درويش

وبالعودة إلى مساجلة كلام دريدا بقوله إنّ أي نص لا يخفي “قانون لعبه” ليس بنص، فإن هذا مثار جدل وإرباك شديدين، لأنه يطرح علينا السؤال التالي: متى نقول إنّ هذا النص نجح في إخفاء قانون لعبه؟ ومتى نقول “لم ينجح”؟ وألا يمكن للنص أن يكون “نصّاً” لو كانت قوانين لعبه واضحة؟

لنأخذ المثال التالي في المقارنة بين شعر شاعرين كبيرين، هما أمل دنقل ومحمود درويش.

يقول أمل دنقل في قصيدته “ضد من”: في غُرَفِ العمليات/ كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ/ لونُ المعاطفِ أبيض/ تاجُ الحكيماتِ أبيضَ/ أرديةُ الراهبات/ الملاءاتُ/ لونُ الأسرّةِ، أربطةُ الشاشِ/ والقُطْن/ قرصُ المنوِّمِ/ أُنبوبةُ المَصْلِ/ كوبُ اللَّبن”[4].

ويقول في قصيدته “مقابلة خاصة مع ابن نوح”: جاء طوفانُ نوحْ!/ المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً/ تفرُّ العصافيرُ/ والماءُ يعلو/ على دَرَجاتِ البيوتِ/ الحوانيتِ/ مَبْنى البريدِ/ البنوكِ/ التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين)/ المعابدِ/ أجْوِلةِ القَمْح/ مستشفياتِ الولادةِ/ بوابةِ السِّجنِ/ دارِ الولايةِ/ أروقةِ الثّكناتِ الحَصينهْ”[5].

أما محمود درويش، فيقول في قصيدته: “علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ”: تَرَدُّدُ إبريلَ، رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفجْرِ، آراءُ امْرأَةٍ فِي الرِّجالِ، كِتَابَاتُ أَسْخِيْلِيوس، أوَّلُ الحُبِّ، عشبٌ عَلَى حجرٍ، أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ، وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ.

عَلَى هَذِهِ الأرْض ما يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: نِهَايَةُ أَيلُولَ، سَيِّدَةٌ تترُكُ الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا، ساعَةُ الشَّمْسِ فِي السَّجْنِ، غَيْمٌ يُقَلِّدُ سِرْباً مِنَ الكَائِنَاتِ، هُتَافَاتُ شَعْبٍ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إلى حَتْفِهِمْ بَاسِمينَ، وَخَوْفُ الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ”[6].

إنّ تأمل النصوص السابقة، يُظهر لنا أن ثمّة أسلوباً ما يتكرّر، حيث يبدأ النص بلازمة ما، وهي في نصي دنقل (في غرف العمليات، وجاء طوفان نوح) وفي نص درويش (على هذه الأرض ما يستحق الحياة)، وبعد هذه اللازمة تبدأ مجموعة من العبارات التي تأتي مكملة وواصفة لهذه اللازمة التي يبتدئ بها النص، وهذا أسلوب يتكرّر في أسلوب كتابة أمل دنقل وأيضاً في كتابة محمود درويش. وبالنسبة إلي على الأقل واضح ومباشر هذا التشابه بين الأسلوبين (وحين أقول التشابه أعني فقط تلك الجمل التي تتداعى خلف بعضها البعض) إلى درجة أنني كلما قرأت أمل دنقل أقول لنفسي: هل تأثر درويش بأمل دنقل؟ أم أنّ دنقل تأثّر بدرويش؟ ثم يأتي سؤال آخر: هل من المهم معرفة من تأثّر بمن؟ وما علاقة كل ما سبق بالنص وأصله؟ أين يكمن الإبداع هنا؟

إذا افترضنا أنّ محمود درويش قد تأثّر بأمل دنقل، هل يمكن أن نقول هنا إنه أخذ منه، وإنّ نص درويش يُضمر شيئاً من نصوص أمل دنقل، وبالتالي كان على درويش أن يشير إلى ذلك؟ هل كان درويش واعياً لهذا الأمر أساساً حتى ينسبه ويشير إليه؟

طبعاً، على المستوى العملي، يبدو لي من الصعب الوصول إلى إجابات حاسمة بهذا الشأن، خاصة أنّ الافتراض الذي أدعيه هنا قد لا يتفق معه الآخرون، لأن ثمّة قارئاً آخر قد لا يرى أن ثمّة تأثّراً هنا نهائياً، وهذا يختلف من قارئ إلى قارئ، فما قلته هنا هو أمر يخصّ قراءتي الخاصة لنصوص كلا الشاعرين، والتي هي تختلف عن قراءة آخرين.

ومن جهة ثانية، ومرّة أخرى، وعلى افتراض أن درويش تأثر بدنقل، فإنه أعاد وأضاف إلى نصه الجديد أبعاداً جديدة، بمعنى أنه وظّف الأسلوب ليخلق مناخاً شعرياً أعلى وأجمل ويحمل كثافة شعرية أكثر مما في نص دنقل، أو ليس هذا إبداعاً بهذه الحالة ولو استند إلى نصوص الآخرين؟

مثلاً، في شعر دنقل تتكرّر المفردات والعبارات التالية، وهي سمة خاصة لشعره: “على دَرَجاتِ البيوتِ/ الحوانيتِ/ مَبْنى البريدِ/ البنوكِ/ التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين)/ المعابدِ/ أجْوِلةِ القَمْح/ مستشفياتِ الولادةِ/ بوابةِ السِّجنِ/ دارِ الولايةِ/ أروقةِ الثّكناتِ الحَصينهْ”[7]. وبالمقابل في شعر درويش، تتكرّر العبارات التالية: “نِهَايَةُ أَيلُولَ، سَيِّدَةٌ تترُكُ الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا، ساعَةُ الشَّمْسِ فِي السَّجْنِ، غَيْمٌ يُقَلِّدُ سِرْباً مِنَ الكَائِنَاتِ، هُتَافَاتُ شَعْبٍ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إلى حَتْفِهِمْ بَاسِمينَ، وَخَوْفُ الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ”[8]. نلاحظ هنا أنّه ثمّة أسلوب عبارة/ كلمة ثم وقفة، عبارة/ كلمة ثم وقفة… هو أمر مكرّر بين الشاعرين، ولكن بالمقارنة بين نص دنقل ونص درويش على مستوى المعنى سنجد أنّ المفردات/ العبارات في نص دنقل ذات معنى واحد وحيد (مستشفيات الولادة مثلاً) لا تحمل أيّ منها شحنة شعرية خاصة بها لو قُرئت وحدها، وأنّ شحنتها الشعرية تأتي من النص ككل وليس منها كمفردة أو كعبارة، في حين أنّه في شعر درويش لكل مفردة/ عبارة شحنة شعرية وأكثر من معنى، إذ إن عبارة مثل “تردّد إبريل” أو “ساعة الشمس في السجن” تأخذنا نحو معان كثيرة ودلالات كثيرة، عدا عن شحنتها الشعرية العالية، في حين أن مفردة مثل “درجات البيوت” أو “الحوانيت” أو “مستشفيات الولادة” فهي تشير إلى معنى وحيد ولا تحمل أي شحنة شعرية بذاتها، بما يعني في نهاية المطاف أنّ درويش قد يكون استند إلى تقنية/ أسلوب دنقل ولكنه ذهب بها نحو أمداء إبداعية وشعرية عالية، وبالتالي فإن درويش قد أبدع وأضاف جديداً، بل وسّع مساحة الشعري أبعد وأبعد مما جاء في نص أمل. وإذا كان ثمّة تأثّر ما هنا، فهو ما يمكن إحالته إلى الجزء “المنفلت” أثناء عملية الكتابة، أي ذاك الجزء غير  الخاضع لمراقبة الكاتب، والذي يعتبره دريدا “أكثر دلالة مما هو خاضع لمراقبة الكاتب، وإن اكتشاف المنفلت وتأويله هو المهمة الصعبة بالنسبة للناقد التفكيكي”[9].

 لكن، طالما أن هذا النص لم يخف “قانون لعبه” وفقاً لدريدا، فإنه لا يكون نصّا! ولكنه أيضاً قد يكون نصّاً إن لم يتمكن قارئ آخر من رؤية هذا وإدراكه، والذي قد يكون، من جهة أخرى، مجرّد وهم اخترعته مخيلة القارئ أيضاً، ما يعني أن مقولة دريدا أعلاه، محدّدة بقارئ النص أيضاً، هذا القارئ المختلف والمتنوع، وهو متنوّع استناداً إلى التعدّد اللانهائي للمعاني الكامنة للنص أيضاً، ما يعني أننا هنا إزاء تعدّد القرّاء من جهة وتعدّدية المعاني التي يضمرها النص من جهة ثانية.

خاتمة

يمكن القول، لا يوجد أي نص خال من تأثيرات الآخرين وكتاباتهم، فتاريخ المعرفة قائم على التراكم وإعادة التجاوز، لأن كل كتابة تتأسّس انطلاقاً من الأثر الذي تتركه به بقية العناصر داخل نسق ما أو سلسلة ما، فلا شيء يولد من الفراغ. وأما على المستوى النسبي، وفي زمن محدّد، هو زمننا البشري المعيش، فإنّ الكتابة قائمة أساساً على الإبداع، والذي يشبه التفاعلات الكيميائية في صيغها المعقدة، وفي عملية الإبداع ثمة العقل الواعي الذي يمارس الكاتب رقابته عليه، واللاواعي المنفلت من عقل الكاتب (وهذا الذي يعطيه دريدا أهميته)، والذي قد تتسلّل منه أفكار الآخرين بوضوح إلى نص الكاتب، وهنا تكمن لعبة الإبداع، من يقدر أن يخفي هذا بأكبر قدر من من “اللعب” من جهة، وبالإضافة عليه والابتكار من جهة أخرى، كما فعل درويش عندما ذهب بعيداً في إبداعه.

المراجع:

(1) نعوم تشومسكي، ميشيل فوكو: عن الطبيعة الإنسانية، ترجمة: أمير زكي، دار التنوير، القاهرة، الطبعة الثانية 2019.

(2) جاك دريدا: صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998.

(3) بيتر ماركي: المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجهاً لوجه، ترجمة: مشرف بك أشرف، موسوعة ستانفورد، موقع حكمة. تاريخ 19 آذار 2019. الرابط

(4) أمل دنقل: الأعمال الكاملة، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1987.

(٥) محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة، الرابط.

(٦) بوقرومة حكيمة: استراتيجيات التفكيكية عند جاك دريدا، مجلة معارف، المجلد 14، العدد 1 جوان 2019.


[1] بيتر ماركي، المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجهاً لوجه، ترجمة: مشرف بك أشرف، موسوعة ستانفورد، موقع حكمة. تاريخ 19 آذار 2019. الرابط.

[2] بيتر ماركي، المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجهاً لوجه، ترجمة: مشرف بك أشرف، موسوعة ستانفورد، موقع حكمة. تاريخ ١٩ آذار 2019. الرابط

[3] نعوم تشومسكي، ميشيل فوكو، عن الطبيعة الإنسانية. ترجمة: أمير زكي. دار التنوير، الطبعة الثانية 2019. ص: 20.21,22.

[4] أمل دنقل، الأعمال الكاملة، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1987، قصيدة ضد من. ص: 368.

[5] المصدر السابق، ص 393.

[6] محمود درويش، قصيدة على هذه الأرض ما يستحق الحياة، الرابط.

[7] أمل دنقل، مصدر سبق ذكره، ص: 393.

[8] محمود درويش، مصدر سبق ذكره، الرابط.

[9] بوقرومة حكيمة، استراتيجيات التفكيكية عند جاك دريدا، مجلة معارف، المجلد 14. العدد 1 جوان 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى