مقالات

ظاهرة منع الكتب في العالم العربي

اسم مادة: الإعلام والنشر وصناعة الكتاب في العالم العربي

” اسم الطالب: محمد فرح وهبي

اسم المشرف: صافي علاء الدين

جهة البحث:  المدرسة العليا للصحافة و التواصل والعلاقات الدولية “ماجستير .. الموجموعة الرابعة ”

مقال حول ظاهرة منع الكتب في العالم العربي إشارات، منع ومصادرة رواية قارعة الذات للروائي السوداني عمر نور الدائم، ودور الإعلام في دعم ومساندة الكاتب.

توطئة:

ظاهرة منع الكتب في العالم العربي ظاهرة قديمة من قدم هذا العالم ـ العربي ـ نفسه. إذ أن للأمر إرتباطه العميق والتاريخي بالبنية النفسية لهذه المجتمعات إجمالا والتي مثلت سيرة الطغاة فيها السمة المائزة والمستمرة. ففي مجتمعات القهر السياسي وغياب أسئلة الحقوق، العدالة الاجتماعية، تشتعل كل ممارسة قمعية تستهدف الإنسان وتصادر حقه الأصيل في الوجود. ولا يكون إستهداف الكتب التي تطرح الأسئلة أو تنتقد البنية النفسية بالتحديد للحاكم وحاشيته إلا كتصدير وتجلٍ لاستهداف الإنسان نفسه ومصادرته.

 :أشكال إتلاف الكتب 

إتلاف السلطة للكتاب وتتجلى السلطة هنا بجميع أنماطها وتحليلاتها سواء كانت هذه السلطة تتمثل بسلطة الحاكم أو المجتمع أو الفرد او تتمثل بسلطة الايديولوجيا او العادات والتقاليد.

النوع الثاني الإتلاف  الشخصي للكتب ويتمثل بالإتلاف لأسباب علمية أو اعتقادية أو نفسية. وهناك الإتلاف بسبب الحروب والقلاقل والتلف بسبب الحوادث والكوارث

(١)

وقبل كل شيء  طبعا هناك الأثر النفسي التراكمي المتعلق بثقافة شعب بعينه وتمثُله لهذه الثقافة ويأتي فعله الحياتي بالضرورة كتمظهر حي لهذا التمثل الأصيل لإرثه القديم وعلاقاته مع نفسه والعالم فمكانة الكتب إذا عملنا إشارات بسيطة في عالمنا العربي منذ القدم هي محل جدل ويمكن القول أنه لم يكن مرحبٌ بها ذلك لأن وعي ـ العربي ــ بالأساس، وفي وجه من وجوهه، هو وعي شفاهي يمجد الشفاهة والبداهة  فالأمر ــ تمجيد الشفاهة ــ  مرتبط عنده بالذكاء  والأصالة الإنسانية والعرقية حتى ربما، حسب فهمه حينها في تلك الأزمنة القديمة ما قبل وبعد الإسلام.   وعند الإقتراب من تلك المناطق أو الحقب التاريخية نلمح هذا الأثر لتمجيد الشفاهة حد ما يُشبه تتفيه التدوين (نحن أمة أميةٌ لا نقرأ ولا  نحسب) هذا النص يقرر أمية الأمة التي ظهر فيها الإسلام ولهذا رفعوا من شأن الحفظ ومجدوه حتى أصبح من أهم وسائل تحميل الرواية، بل ذم بعض الصحابة كتابة الحديث ) ٢..

هذه الأسباب ـ الثقافية والدينية من بعد ــ كانت تمهيداً واقعياً للموقف العام تجاه الكتب من قبل معظم السلطات، سلطة الدولة أو المجتمع.  كموقف الضد أكثر منه موقفا ترحيبيا في صالح الكتب. لذلك إذا قمنا بفحص الأسباب التي تقف وراء منع :وإتلاف الكتب نجد

الأسباب الشرعية*

الأسباب العلمية*

الأسباب السياسية*

الأسباب الاجتماعية والقبلية*

 الأسباب التعصبية*

٣

ودائما ما تقف السلطة السياسية كشاهد حي على إستغلال كل هذه الأسباب و تحريكها كيفما شاءت وحسب ما تطلبه كل مرحلة ومهمة وإجمالا حسب الوضع العام الذي تشتغل في فضائه. (وغالبا ما تسعى السلطة خلف إتلاف الكتب ليس إلى إحكام السيطرة على المؤسسات فحسب بل التغلغل في أعماق النفوس أيضاً). 4

٢

  تأتي الكتب في مستوى آخر باعتبارها ذاكرة حية  للشعب وهو الأمر الذي يعرقل تقدم السلطة فكل سلطة فاسدة لكي تتحكم وتفرض شروطها تعمل على أمر واحد مهم، ألا وهو نسف الذاكرة، محوها، وإبدالها بأخرى تخصها تعبر عنها وتحمل فقط مضامينها وقيمها، لذلك يكون استهداف الكتب وإتلافها لدورها المهم في حفظ وتوثيق الذاكرة، وكأنها، أي هذه الكتب، تقول صباح مساء في وجه السلطة: كانت هناك سلطة من قبلك، كانت هنا حياة متواصلة، نحن لم نولد على يديك القذرتين!..وبجانب هذا فإن في محوها رمزية لاستهداف كل عقل حر ونفس طبيعية وسليمة

في مقابلة قديمة علي فرانس٢٤ علق الأديب السوري أدونيس على حدث  وقتها وهو استهداف بعض الجماعات المتطرفة لتمثال المثقف والناشط التونسي “شكري بلعيد”(*) ذلك الإنسان المغدور.. استهداف تمثال أقيم تكريما لذكراه ومواقفه وذلك بقطع رأس التمثال.. كانت إشارة الأديب السوري مؤثرة وذكية وهو يلمح إلى أن قطع رأس التمثال هو في حقيقته رمزية لقطع رأس الثورة أولاً والفكر، الفكر الإنساني الحر الذي بشّر به ودافع عنه حتى النهاية الشهيد شكري بلعيد. بشكل مماثل يجيء منع ومصادرة الكتب في العالم العربي كامتداد متوارث لسجل الطغاة الراسخ في المنع والترهيب والمصادرة، وقطع رأس الفكر بل ومنع الناس من مجرد التفكير في أن يفكروا.

٣

في السودان مثلا وكشاهد عصر على ممارسة بالغة السوء من قبل السلطات تجاه المثقفين اجمالا وتجاه ما ينتجونه من كتب وأفكار، ظلت الحالة العامة والمعروفة هناك هي المصادرة، مصادرة كل فكر لا يجيء بمقاس السلطات بل وأي فكر جموح يشتغل على الإنسان، حياته وأفكاره وتنويره أو قل نشدان انعتاقه من ظلمات الخوف والقهر. كانت غالبيتها مصادرة وممنوعة من النشر ومصيرها المحرقة، لقد كانت المصنفات الفنية والادبية ــ جسم حكومي يجيز الكتب ويمنع حسب لوائح داخلية  عبارة عن هولوكست فظيعة، تقريبا لم ينجو أحد، عشرات الكتاب صودرت كتبهم، وتعدى الأمر مجرد المصادرة إلى التهديد المباشر والمضايقة اليومية. هناك مثلاً الروائي الأشهر من بين كل هذه الأسماء عبد العزيز بركة ساكن، والذى لُقبّ بالزبون الدائم للمصنفات، زبون المصادرة، أُطلق عليه اللقب تهكماً وسخرية مما يحدث تجاهه وهو طبعا ينسحب على مجمل المشهد هناك.

٤

في العام ٢٠١٢ تمت مصادرة رواية ـ قارعة الذات ـ وهي أول عمل أدبي للروائي الشاب عمر الفاروق نور الدائم، لم تسمح المصنفات بصدوره بل وأمرت بعدم طباعته في أي مكتبة في السودان، وحين قام الشاب بطباعته بالخارج فوجئ بمنع الكتاب من الدخول إلى البلاد وعدم السماح بعرضه في أي معرض للكتاب أو مكتبة عامة، وفي خطوة لاحقة تمت مصادرته بالكامل. أذكر كم الحزن والإحباط الذي انتاش الكاتب، لقد عاش لحظة مظلمة وتفاجئ بأنه وهو حديث التجربة ولا يملك سوى قلمه، أنه عدو لدولة كاملة ومهددا لها، كان الأمر فظيعا طبعا، في بلد بوليسي بالكامل وتتهددك فيه كل الظروف من حولك و تقف ضدك.

كنت في ذلك الوقت أعمل محررا صحفيا بصحيفة اسمها الجريدة ومقدم لبرنامج إذاعي أيضا على  إذاعة البيت السوداني, وعبر برنامجي الحواري وجهة نظر استضفت الكاتب ومعه ناقد سوداني معروف. كان الحوار مخصصا عن المصنفات وعرض قصته كتجربة حية والنقاش حولها أيضا. كانت الفكرة اجمالا فتح نافذة صغيرة للضوء وكشكل من أشكال المقاومة. استمر النقاش زهاء الساعتين وقد فتح أسئلة كثيرة حول حقيقة المصنفات وكونها عائق حقيقي يحول دون تطلع المجتمع ومبدعيه للحياة والتنوير. عملت مداخلات مع مسؤول في المصنفات وكنت اتصلت عليه مسبقا وأخبرته بموضوع الحلقة وبأنها حلقة مباشرة. وقد وافق على الإستضافة والمشاركة على الهواء عبر مداخلة بالتلفون. لم يجب على اتصالي ، فقط كنت كلما مرت عشر دقائق أُعيد الإتصال مع التنبيه لجمهور المستمعين بأني اتصل الآن  بالسيد فلان المسؤول بالمصنفات لنستمع لوجهة نظره، كحق أيضا في سماع رأيهم كمؤسسة. لم يرد على جميع اتصالاتي. وانتهت الحلقة كحوار بين ثلاثتنا وبين مجموع متداخلين عبر الهاتف من جمهور المستمعين.

لقد كنت أثناء البرنامج أدقق النظر في ملامح الكاتب الشاب شاهدت كيف أن هذا الأمر أثر على معنوياته وكيف أنه مصدوم للغاية وحزين. لقد كانت كما قلت تجربته الأولى وهي بلا شك تعكس حتى طزاجتها اجمالا وحاولت التخفيف عنه قدر الإمكان. وقد كان ففي نهاية الحلقة شعرت بأنه لم يعد هو نفسه ذلك الكاتب الذي تعرض للقهر بسبب المصادرة، والتي كادت أن تعصف بكل تجربته الحديثة للمجهول والأسى. لقد قلنا له عبر الحوار إن هذا أمر متوقع في ظل واقع بائس مثل الذي نعانيه، ولكن قدر وحقيقة وجود المثقف والكاتب والفنان بشكل عام هي المقاومة، مقاومة الرداءة اجمالا والعنف والمصادرة, بل والدفاع حتى النهاية عن كل قيم الإنسان

 والحياة الحقة. أذكر، قدمت لتلك الحلقة لأن في بالي خلاف مصادرة الكتب وإتلافها كفعل مادي ما تتضمنه هذه الممارسة من قهر ينسحب لنفسية الكاتب نفسه، إذ تعمل السلطة على أمر مترافق مع منع الكتاب وهو تشويه سمعة الكاتب نفسه وإطلاق النعوت عليه، بما يضعه في خانة المخرب لقيم وروح وعادات المجتمع، ولكونه ضال مضل، فالأسباب التي يُبرر بها المنع في مجملها تأتي كدفاع عن قيم مدعاة للمجتمع، حسنا لكل تجمع إنساني أهدافه ورؤاه وقيمه بالضرورة، فقط في حال كان هذا الوجود الإنساني حراً ويملك الحق كاملا في أن يقرر بنفسه، بعقله العام، بالرحابة والنقاش وكل الأساليب المدنية السلمية ما ينفعه وما هو بالضرورة ضده، وليس كمجتمع ناقص معبرٌ عنه على الدوام ومطفلٌ لم يبلع الحُلم، كما هو حال كل امة رضعت من ثدي سلطة فاسدة. وفي ذات الإطار ــ الأثر النفسي للمنع والمصادرة ــ يقول الروائي عبدالعزيز بركة ساكن صاحب أكثر الأعمال الأدبية  منعاً من النشر في السودان، يقول 🙁 إن الأضرار التي لحقت بي بسبب منع إنتاجي الأدبي لاتحصى ولاتعد، على سبيل المثال تضررت من إشانة السمعة، الذي تعرضت له من قبل نظام الإخوان المسلمين، إلحاق الضرر المعنوي بشخصي وأسرتي، بعد أن وُصمت كتابتي بالمُخلة بالذوق العام، وتابع قائلاً: الإخلال بالذوق العام يتمثل في اجترار التاريخ السوداني أم حرق القرى وتهجير العزل قسريا، الإخلال بالذوق العام يتجسد في استباحة الأرض بما عليها، مثل ما فعلت القوات الحكومية ومليشياتها بجنوب السودان إبان الحرب التي فصلت الجنوب حيث صارت أسماء الأحياء مرتبطة ببربرية القوات السودانية، مثل أحياء لباس مافي، رجال مافي، أطلع بره، وما إلى ذلك من الأسماء التي أقُتبست من ممارسة الجيش السوداني في جنوب السودان، وزاد بركة ساكن: من يعترض على كتابتي التي تحمل بعض العبارات ذات الطابع الجنسي عليه أن يراجع كتب علماء العرب والمسلمين أمثال عمر بن ربيعة، ألف ليلة وليلة، كتاب نواضر الأيك في معرفة النيك  للإمام السيوطي لماذا لم تصنف تلك الكتب بالمُخلة وتمنع كتبي التي لم تحمل معشار سطر من العبارات التي تعتبر خادشة بحسب قيم..السلطة اليوم٥

:ختاما

لا تستهدف المصادرة المُنتج بقدر ما أنها تستهدف كسر روح المنتِج وهو هذا الكاتب الإنسان، ويتعدى الأمر الكاتب إلى المجتمع عموما, ففي مصادرة الكتاب رمزية حية لمصادرة حق الناس في الحياة.

:المراجع

٣/٢/١ حرق الكتب في التراث العربي

ناصر الحزيمي

 الممنوعة ماريو انفيلزي/ ترجمة وفاء البيه

٥السودان: نشر الكتب بمعايير الأمن/موقع صحيفة عاين الإلكترونية

(*) شكري بِلعيد (26 نوفمبر 19646 فبراير 2013)، سياسي ومحامي تونسي. وهو عضو سابق

 في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي والأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد.[2] وأحد مؤسسي تيار الجبهة الشعبية وعضو مجلس الأمناء فيها. كان من أشدّ المنتقدين لأداء الحكومة الائتلافية في تونس. وهو يتبع التيار الماركسي اللينيني. اغتيل أمام منزله من قبل مجهولين، الأمر الذي اتبعه مظاهرات عارمة بالبلاد وإعلان الاتحاد العام التونسي للشغل عن الدخول في إضراب عام يوم الجمعة.[3]

(ويكيبيديا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى