مقالات

المناهج المدرسية والتربية على المواطنة والديمقراطية في الشمال السوري (2)

تُدوّن عبارات أو مصطلحات التربية/ التنشئة الوطنية أو المدنية أو الأممية، على كتب مدرسية، لكنها لا تتجاوز سرديات قومية أحادية، وهو تهرب من أبرز استحقاق تربوي/ منهجي سليم، أي استخدام عبارة التربية على المواطنة، وهي دلالة على مضمون وأهمية المادة التعليمية.

وفي غالب الأحيان، فإنّ مواد التربية الوطنية أو الأممية في الشمال السوري تحتوي على مواضيع ودروس تتعلق بالمواطن أو المواطنة وبعض تفريعاتها ومبادئها. لكن هذا التهرب من الطرح والمضمون الواضح ليس سوى شرح لنفسية وعقلية وحقيقة الأنظمة السياسية التي تتهرب من استحقاقات المواطنة، وتالياً فإنها بعيدة عن طروحاتها حول الديمقراطية أو عقدها الاجتماعي وقوانينها الناظمة، لأن نموذج التربية على المواطنة هو مشروع سياسي ديمقراطي وليس مجرد طرح نظري. وتعتبر مدى العناية بالتربية وتطبيقها أبرز معايير قياس درجة الديمقراطية، وتأتي أهمية وضرورة التربية على المواطنة عبر حاجتين مجتمعتين:

الحاجة الأولى: حاجة التعايش من خارج أسوار المدرسة والتي تكون المناهج أبرز حوامل ذلك التعايش. صحيح أن العيش المشترك ووحدة الحال في الشمال السوري رهينة للتوافقات السياسية والمجتمعية وتثبيت الحقوق دستورياً، لكنها ليست خارج مسؤوليات المدرسة، ولا يمكن عزلها عن الأهداف والسلوكيات التربوية. فالمناهج المدرسية من المرحلة الابتدائية وحتى الدراسات العليا تلعب الدور الريادي في تغذية شعارات التلاحم ضمن السياقات السياسية والاجتماعية والمدنية والاقتصادية، والحفاظ على اللُحمة داخل المجتمع المدني، أو تغذية عكسها. وتالياً فإن المنهاج المدرسي هو أخطر مرحلة ومهدد للوحدة الاجتماعية وتفكيك المتحد السياسي، أو توحيد المختلف معاً.

الحاجة الثانية: ضمن المدرسة ذاتها دون إخراج المجتمع الخارجي من اتجاهات تكوين أو إيجاد التربية على المواطنة، فالمدرسة والمنهاج والمدرس والطالب ليسوا معزولين عن الواقع الاجتماعي الخارجي حتى يتمكنوا من تجاهل ما يجري في الخارج. هذه الأطراف الأربعة هي في جوهرها إحدى أبرز المحطات لتفخيخ المجتمع أو توحيده وتنظيمه. فالمدرسة حين تتحول عبر أذرعها، وخاصة تواجد عنصر أمني- حزبي، إلى تلقين سياسات حزبية أحادية الجانب وإلغاء مفاهيم التعددية والديمقراطية، فإنها تنقل المجتمع ومكوناته إلى ساحة التهيئة للمواجهات المباشرة. خاصة وأن الطالب في الشمال السوري، على سبيل المثال، يدخل المدرسة من خلفيات وطبقات اجتماعية سياسية وحزبية مختلفة، هي في عمقها وجوهرها متصارعة، ويحملون أفكاراً وقناعات سياسية متنافسة ومتحاربة أحياناً، فكيف لهم أن يكتشفوا حقيقة الجدوى والمغذى الديمقراطي من تواجدهم ضمن مدرسة واحدة ثم ضمن دولة واحدة بمناهج متعددة ومختلفة.

فمناهج الإدارة الذاتية، تربط كل شيء بشمال شرق سوريا، وأنهم النموذج الأنجع للثورات ولا أفضلية لأي منهاج أو وظيفة مدرسية عن نظامهم التدريسي. علماً أنها مناهج لا تشجع أي تلاحم أو تآلف، لا مع شرائح مجتمعية عامة أو كردية خاصة، خارج سياقات مدرستهم ومناهجهم، وتالياً هي لا ترتبط بباقي السوريين في خارج شمال شرق سوريا، وهذه مشكلة مركبة تفضي في النهاية للعيش منعزلين عن باقي السوريين. كما أنّ مناهج شمال غرب سوريا هي الأخرى لا تلمح أو تشجع على العيش المشترك مع باقي السوريين، فلم ترد في تلك المناهج أي إشارة إلى التاريخ أو التراث واللغة والعادات لباقي المكونات السورية، من كردية وآشورية سريانية أو شركسية.

من هنا تنشأ الحاجة للمناهج التي تؤكد وتصرّ على تدريس مواد المواطنة مقترنة بالتطبيقات العملية، فالطلاب في عموم سوريا يجب أن يعيشوا ضمن مدرسة ونظام تربوي ومنهاج وشكل إداري واحد، حتّى تتحول لمدرسة جامعة تؤدي دورين متحدين، المعلم والمدرب على العيش المشترك، والتأكيد على شرعية الاختلاف والتعددية اللغوية والسياسية والاجتماعية. هذه الحاجة تجعل للمواطنة أهمية كبرى ومكوناً أساسياً من مكونات النظام التربوي في مشروع الدولة الديمقراطية، كما يجعل من التربية صاحبة المسؤولية المباشرة للإسهام في تكوين روابط مدنية تبنى عليها أركان المتحد السياسي، خاصة وأن الإنسان لا يولد مواطناً بالمعنى السياسي، بل يصبح مواطناً بالتعليم والتربية والتدريب على ممارسة مواطنيته.

معوقات التربية على المواطنة

لا يمكن القول إن التربية على المواطنة مجرد إعطاء مادة أو مواد أو سلسلة دروس تشرح ماهية المواطنة. بل إن القضية تتعلّق بالنظام السياسي وهويتها السياسية واللغوية، وبنية مؤسساتها الدستورية والإدارية. فلا شبه بين مؤسسة التربية وأي مؤسسة أخرى يجري الإعلان عن تغيرات أو تبدلات في بنيتها، فاتخاذ قرار بتطبيق مناهج وتربية على المواطنة، هو أولاً في عمق الموضوع انتقال من دولة الرعاية إلى دولة المواطنة والمواطنين، وليس كافياً إصدار قرار أو مادة للتربية على المواطنة لكي يتغير النظام السياسي ويتحول أفرادها إلى مواطنين، والدعوة لمناهج تشكل دولة المواطنين يعترضها عائقان خطيران، هما السياسي والتربوي.

1-العائق السياسي: لا فائدة من عبارة مواطن في كيان سياسي ما لم يوفر لصاحبها مسارات الممارسة والتطوير، فالمواطنة تحتاج إلى بنية اجتماعية ومنهاج سليمين وإلا فإنها مجرد مادة تعليمية لا تفي بالحاجة، وبل تضعف الانتماء لهوية ذلك الكيان السياسي وتقوي الميل إلى الانتماءات الفرعية. لذا فإن أهم العوائق السياسية في طريق تطبيق التربية على المواطنة هي:

1-غياب الإرادة السياسية في الدول الشمولية للتغير.

2-عدم الإقرار والاعتراف بوجود القوميات والأديان دستورياً.

3-عدم صون الحريات المدنية والسياسية.

4-عدم وجود مؤسسات دستورية تراقب المناهج والممارسات في المدارس.

5-لا مواطنة في دولة دينية أو أيديولوجية.

6-عدّم الانتظام في إجراء الانتخابات أو إجرائها شكلياً.

7-قمع حرية الرأي وتقييد الحريات العامة، واضطهاد أصحاب الرؤى المخالفة.

8-عدم وجود أحزاب سياسية مرخصة.

9-قمع مفروض على حرية الإعلام.

2-العائق التربوي: تعتبر مواد التربية على المواطنة في الدول راسخة الديمقراطية خطوة متقدمة في مسار عناية الدولة بثقافة المواطن والديمقراطية. لكن المشكلة في أنها لا تتناسب مع السياسات التربوية التي تُنشئها الشموليات. فلا مواطنة بلا ديمقراطية، والأخيرة لا يمكن لها أن تبقى مع الاستبداد. فالمواطنة هي مبدأ وتطبيقات وتجارب وتربية، والديمقراطية هي ميدان يتلازم فيه المبدأ وتطبيقاته تلازماً جوهرياً، بحيث إن غياب أي عنصر يقصي الجوهر الحقيقي للمواطنة والديمقراطية. لذا فإن أبرز العوائق التربوية لتطبيق المواطنة هي: 1- تركيبة المدرسة التي تقوم على التلقين، واعتبار الطالب ذاتاً متلقية لا غير، في حين أن التربية على المواطنة تشترط أن يكون التلميذ مواطناً فاعلاً ومشاركاً مع الآخرين في عملية التربية.

2- المدّرس، المدير، الموظفون، الإداريون، الحاجب، يجب أن يكونوا ذواتاً متساوية مع الطالب بصفة المواطنة وممارساتها.

3- حصر وظائف تربوية وإدارية بفئات أكثر من غيرها، أو حصر القرار بين فئة محددة.

4- المدرسة ليست كياناً مفصولاً عن محيطها وبيئتها، بل هي مؤسسة جزئية تندرج ضمن مؤسسة أكبر هي الدولة، وطالما أن المدرسة صورة مصغرة عن المحيط الاجتماعي فإن الصور والرموز والشعارات في المدرسة يجب أن تكون معبرة عن كافة أشكال وانتماءات الفئات المشاركة في المدرسة/ الدولة.

5- الذهنية التقليدية لمفهوم المدرسة والسلوك الإداري العام تجاه التلاميذ والإصرار على ذهنية الخضوع أكثر من دعم الطالب وتنمية الحسّ النقدي وممارسته.

ختاماً: إن التربية عل المواطنة هي إدارة نقل المجتمع على منحيين مركبين:

1-نقل المعارف والمهارات للطالب لتكوين المواطن المستنير الفاعل. 2-وضع الدولة ضمن مصافي الدول الأكثر تقدماً في المسار الديمقراطي، ويوجد ديالكتيك قوي بينهما حيث كل تقدم وفاعلية لطرف يتعلق بمثله لدى الطرف الآخر. فتلعب المدرسة ومناهجها الطريق والأداة الأساسية لتحقيق التربية على المواطنة في أي دولة.

ليفانت – شفان إبراهيم

المصدر : thelevantnews.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى