مقالات

المناهج المدرسية والتربية على المواطنة والديمقراطية في الشمال السوري (1)

شكلت التظاهرات التي عمّت سوريا منذ بداية 2011 وما تلاها، علامة فارقة ومنعطفاً مهماً في تاريخ سوريا المعاصر. ولم يعد من الممكن القول إن حال سوريا بعد عام 2011 سيشبه ما كان قبله، وعلى كافة المستويات المختلفة. والمستوى الأكثر لزومية للتغيير والتبديل، نظراً لملامسته الجذرية لقضايا الانتماء، هو مستوى التربية والمواطنة والتعليم.

بالعموم فإن المناهج المدرسية تشكل إحدى أبرز المؤشرات والممهدات الأساسية والرئيسة لعصب الديمقراطية، والحاجة للمواطنة تختلف باختلاف الدول من حيث موقعها في مسار الديمقراطية.

صحيح أن السوريين انقسموا إلى فريقين، أحدهما يرى الثورة مؤامرة كونية على سوريا من قبل أمريكا ودول الغرب لإخراجها من دائرة المقاومة ونهب ثرواتها، بينما وجد فيها فريقٌ آخر أنها حركات احتجاجية شعبية ضد الفساد والظلم والقمع، والتعبير الأنسب عن حالة الاحتقان التي وصلت إلى أعلى ذروة لها. لكن ما بين الفريقين فإنّ سوريا اليوم تشهد انقساماً جغرافياً وهويّاتياً، وهو ما أثّر بشكل مباشر على المناهج التربوية والتعليمية، والتي تشهد ثلاثة نظم تربوية مختلفة، تطبق في شمال شرق، وشمال غرب، وباقي مناطق سوريا.
 

ووفقاً لمنسوب الاستقرار ومؤشرات الديمقراطية في مختلف الدول، فإنّ المناهج التعليمية والتربوية تلعب دوراً مهماً في التمهيد لمستقبل أكثر تشجيعاً ونوعية وفقاً لثلاثة نماذج، أولها: الدول الديمقراطية والتي تعيش حالة استقرار وثبات سياسي تجاه قضاياها الداخلية والخارجية، مع ذلك تشعر بالحاجة الدائمة للمواطنة، بغض النظر عن النظام السياسي أكان مركزياً أم اتحادياً، للحفاظ على مبادئها والتكيف مع الحاجات المستمرة والمستجدة، خاصة في الدول المركبة. والثاني: الدول المتجهة صوب الديمقراطية أو الحديثة العهد في الديمقراطية، فإن حاجتها للتربية على المواطنة تزداد من حيث الأسباب والدواعي، إضافة للإمكانيات والاستعدادات وتبتكر الخطط الدائمة التي تتناسب وراهنيتها ومستقبلها.

أما ثالثها، الدول التي تشهد صراعاتٍ وأزمات وانقسامات جغرافية – سياسية هويّاتية وانسداداً للحلول وغياب البدائل السريعة واستمرار حالة اللاستقرار، وإن أضعف حلقة وأخطرها في ظل كل الصراع هو الطالب والمدرسة. حيث تنعكس كل الانقسامات على المجال التربوي العام، وتشهد تطبيق العديد من المناهج وتشعب مصادر القرار التربوي، لذا فإنه الأكثر ضرراً وتمهيداً للشر الكبير، حين تكون المناهج البديلة لا تشجع على الحوار والمواطنة.

أما الفارق الأساسي بين الفئات الثلاث فهو أن المواطن في النموذج الأول موجود وتستمر رغبته وحاجته للتربية على المواطنة، ويتم تحسين أدواتها باستمرار عبر تنشيط المناهج. ويعاني المواطن في النموذج الثاني من عدم استيفاء شروط وجوده فتكبر الحاجة للتربية على المواطنة بغية تكوينه من جديد وتمكينه من القيام بدوره في مشروع الديمقراطية، والأخطر هو النموذج الثالث، مع غياب تام للمواطن عن المناهج وفقدان محركات الديمقراطية والمواطنة.

ووفقاً لذلك، فإن كل عام دراسي يمضي دون منهج تربوي متفق عليه ودون إزالة مثيرات التباغض الاجتماعي والإتيان بمنهاج يتحدث عن الوضع السياسي والاجتماعي الكلي والفضاء العام ويخلق طريقاً نحو المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بكليتها، فإنه يؤدي لعشرات الأعوام من التهيئة والتنمية البشرية لإعداد المواطن “الشرير”. والمؤسف أن مناهج الإدارة الذاتية ومناهج الحكومة السورية المؤقتة هي ضمن النموذج الثالث.

ويمكن حصر المنهجية المعتمدة في هذا التقييم الحادّ على غياب ثلاث نقاط أساسية تثبت فقدان تلك المناهج إلى التربية على المواطنة، أولها: القضايا التعليمية المحضة على المواطنة والمساواة غائبة عن المنهاجين، والثانية: لا تدفع هذه المناهج الطلاب، وبطبيعة الحال أهاليهم، للحديث حول حاجة الدولة السورية المستقبلية للمواطنة والمشروع السياسي الحامي للمواطنة، والثالثة: الصراعات السياسية تمنع تداول مثل هذه القضايا الملحة في المنهاجين. وإذا كانت مناهج التربية السورية لا تكترث بهذه القضايا، فهي بطبيعة الحال أمر مفهوم، لكن الأطراف التي تدّعي تقديماً للمشاريع السياسية الجديدة، والدعوة لسوريا جديدة، فإن غياب التربية على المواطنة ضمن مناهجها أمر مستغرب ومستهجن.

فالحديث عن المناهج التربوية وعلاقتها بالمواطنة تُلزمنا البحث في ثلاث قضايا مترابطة ومتشابكة معاً: التربية على المواطنة، وحاجة الدولة للتربية على المواطنة في مشروعها السياسي، ومعوقات ومشاكل التربية على المواطنة.

القضية الأولى: مضمون التربية على المواطنة

المناهج المدرسية والتربية على المواطنة هي جزء من مشروع وشكل النظام السياسي العام للدولة، بمعنى أنها ليست مادة تعليمية ضمن مواد المنهاج المدرسي فحسب، إنما تتخطى إلى حدود أشمل وأوسع مع التأكيد على أن صفتها كمادة تعليمية ترتدي أهمية قصوى لا يمكن تجاهلها ولا يقوم مقامها شيء، وهي -المواطنة- موضوع تربية وتعليم وتنشئة في الوقت ذاته. لذلك يمكن جمع قضايا التربية على المواطنة في ثلاثة حوامل جمعية:

1-الحامل القيمي: وهي المواطنة الساعية صوب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفقاً لما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وللاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

2-الحامل المعرفي: وهي جملة القضايا المتصلة مباشرة عبر مواضيع المواطن، الوطن، المواطنة، الدولة، المجتمع والقوانين الدستورية، والمعارف المتصلة والمتعلقة بالمكونات والشعوب التي تعيش معاً، لا سيما قضايا التاريخ والجغرافيا والتعددية اللغوية.

3-الحامل التطبيقي: ويفترض وجود هيكلية مؤسساتية ضمن مديريات ووزارات التربية، تراقب وتشجع تطبيق الحامل المعرفي والقيمي لمشروع التربية على المواطنة، بشكل متسق مع مشروع الديمقراطية؛ لنقل الطالب والمواطن من ميادين الشعارات الدعائية إلى التجسيد العياني فعلاً وعملاً.

ومع هذه الحوامل الثلاث تنبري ثلاثة ميادين مترابطة وهي:

1-الميدان المعرفي: الذي يتعلق بأربعة جوانب مؤسسة لحياة دولة الديمقراطية والمواطنة ولكل جانب أحواله ومبادئه التي تدخل ضممن أصول التربية على المواطنة وهي:

أ- الجانب البيئي: أي توصيف العلاقة بين الفرد والبيئة الطبيعية المدنية والوطنية وتضع القوانين والمسؤوليات للحفاظ على البيئة.

ب-الجانب السياسي: أي النظام السياسي وبنية الدولة وهياكل الحكم الإدارية والحقوق والواجبات وحقوق القوميات والأقليات والتعددية اللغوية والثقافية.

ج-الجانب الاقتصادي: عوامل الإنتاج والاستهلاك وموضوع العمل وقوانينه.

د-الجانب الاجتماعي: فهو العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي والقيم الفردية والجماعية، من حريات خاصة وحقوق مدنية والعلاقة بين الفرد والمجتمع.

2- الميدان السلوكي: وهو مدى تطبيق القيم الأخلاقية في المدرسة وخارجها وتربية الأجيال على أصول اللياقة وآداب الحديث والسلوك في العلاقات الاجتماعية، أي أن يتحول المعنى الأخلاقي إلى سلوك عملي.

3- الميدان النقدي: وهو الذي يأخذ موقعاً رئيساً في مضمون التربية على المواطنة، خاصة وأن الفرد هو النقطة الأساسية المحورية كمصدر للسلطة والمشارك في الشأن العام، وكذلك على المناهج أن تلقي خارجها الموروثات التي تجاوزها التاريخ والحثّ على بناء دولة تعددية.

والمتابع لمنهاجي الحكومة السورية المؤقتة، والإدارة الذاتية، يدرك ببساطة غياباً تاماً لقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية والنظم الديمقراطية، ويعي تماماً أن الانحياز لسردية مناهج الحرب تفوق على واقعية مناهج بناء جيل جديد، والمعضلة البنيوية في ذلك تعود إلى عاملين اثنين، أولهما: غياب كامل للرؤية السياسية المستقبلية لسوريا بشكل يمنح التربية والتعليم استقراراً بديمومة، والثانية: إن الطلاب تحولوا إلى وقود للصراعات السياسية والحزبية.

يتبع…

ليفانت – شفان إبراهيم

المصدر : thelevantnews.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى